الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأدمج في ذلك التذكير بدقيق صنع اللّه وحكمته في خلق الإنسان . والتنويه بشأن القرآن . وصدق ما ذكر فيه من البعث لأن إخبار القرآن به لمّا استبعدوه وموّهوا على الناس بأن ما فيه غير صدق . وتهديد المشركين الذين ناوءوا المسلمين . وتثبيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ووعده بأن اللّه منتصر له غير بعيد . [ 1 - 4 ] [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ( 3 ) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( 4 ) افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في سوابقها . ووقع القسم بمخلوقين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما هما : السماء ، والنجوم ، أو نجم منها عظيم منها معروف ، أو ما يبدو انقضاضه من الشهب كما سيأتي . و الطَّارِقِ : وصف مشتق من الطروق ، وهو المجيء ليلا لأن عادة العرب أن النازل بالحي ليلا يطرق شيئا من حجر أو وتد إشعارا لرب البيت أن نزيلا نزل به لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه ، فأطلق الطروق على النزول ليلا مجازا مرسلا فغلب الطروق على القدوم ليلا . وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء ، ثم زيد إبهاما مشوبا بتعظيم أمره بقوله : وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ثم بين بأنه : النَّجْمُ الثَّاقِبُ ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم ، شبه طلوع النجم ليلا بطروق المسافر الطارق بيتا بجامع كونه ظهورا في الليل . و ما أَدْراكَ استفهام مستعمل في تعظيم الأمر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ في سورة الشورى [ 17 ] ، وعند قوله : وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 3 ] وتقدم الفرق بين : ما يدريك ، وما أدراك . وقوله : النَّجْمُ خبر عن ضمير محذوف تقديره : هو ، أي الطارق النجم الثاقب . والثقب : خرق شيء ملتئم ، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل . شبه النجم بمسمار أو نحوه ، وظهور ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لوح أو ثوب .